يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

243

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وكان يقول فيه علي بن أبي طالب : كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ، ومع هذا فلم يغفل نفسه عن الطلب ، قال : واللّه لربما مررت بالآية من كتاب اللّه تعالى في جوف الليل فلا أعرف فيمن أنزلت ، فآخذ ثوبي ثم آتي المسجد وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه ، فأوقظ الرجل منهم فأسأله فيمن نزلت آية كذا وكذا ، فإن لم أجد عند واحد منهم وجدت عند آخر حتى أمرّ عليهم جميعا ، وربما غدوت فأبدأ بالمهاجرين فأسألهم ، فإن لم أجد عند واحد منهم أتيت قرى الأنصار فتتبعتهم رجلا رجلا حتى أجد حاجتي ، وكان يقول : ذللت طالبا فعززت مطلوبا . وقال سعيد بن جبير : كنت عند ابن عباس جالسا إذ أتاه أهل التفسير فسألوه ، وأتاه أهل القرآن فقرؤوا عليه وأخذوا علمهم بإعرابه ، ثم جاء أهل الحلال والحرام فسألوه ، ثم جاء أهل العربية والشعر فسألوه فأخبرهم ، حتى جاء قوم من فارس فسألوه عن رستم واسفنديار فحدّثهم بحديثهم ، فقمت إليه فقبّلت رأسه وقلت : يا ابن عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما على الأرض أعلم منك ، فتبسّم . وقال مجاهد : كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه ، وقال عطاء : ما رأيت بيتا أكثر علما وعملا وخيرا من بيت عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه ، وفيه يقول حسان بن ثابت رضي اللّه عنه : إذا قال لم يترك مقالا لقائل * بملتقطات لا ترى بينها فصلا وكفى وشفى ما في الصدور فلم يدع * لذي حجة في القول جدا ولا هزلا ووجدت شبه هذين البيتين وقبلهما مكتوب لمعاوية : إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف * لعيّ ولم يثن اللسان على الهجر يصرّف بالقول اللسان إذا انتحى * وينظر في أعطافه نظر الصقر كذا وجدته لمعاوية ، فلا أدري أقيلت في معاوية أو قالها معاوية في ابن عباس ، وكذا أظنه واللّه أعلم ، رضي اللّه عنهما . وسئل عنه الحسن بن أبي الحسن رضي اللّه عنهما فقال : كان واللّه سيحا يسيل عذبا ، بحر بيان يتدفق على لسانه ، أعذب في الأسماع من الشهد في الأحناك ، وأحسن في الإبصار من الردّ في الأسلاك ، سأله رجل : ما تقول فيمن طلق امرأته عدد نجوم السماء ؟ فقال : يكفيه منها كواكب الجوزاء . وكان من سجيته أنه ينشد الشعر فيحفظه من سمعة واحدة ، فيقال له : أكنت ترويه ؟ فيقول : لا ، وهل أحد يسمع شيئا ولا يحفظه ؟ يتعجب ممن سمع ولا يحفظ ما سمع . ومن فضائله رضي اللّه عنه ما خرّج البخاري رحمه اللّه بسنده عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكان بعضهم وجد في نفسه ، فقال : لم تدخل هذا